الشيخ الطبرسي
34
تفسير مجمع البيان
أي : إن تعفوا وتصفحوا عمن ظلمكم ، فإن الله يغفر بذلك كثيرا من ذنوبكم ، عن الجبائي ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي محنة وابتلاء ، وشدة للتكليف عليكم ، وشغل عن أمر الآخرة . فإن الانسان بسبب المال والولد يقع في الجرائم ، عن ابن مسعود قال : لا يقولن أحدكم . اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة ، ولكن ليقل : اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن . وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما السلام ، وعليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهما ، فاخذهما فوضعهما في حجره على المنبر وقال : ( صدق الله ، عز وجل ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ) " . ثم أخذ في خطبته . ( والله عنده أجر عظيم ) أي ثواب جزيل وهو الجنة ، يعني فلا تعصوه بسبب الأموال والأولاد ، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر والذخر . ( فاتقوا الله ما استطعتم ) أي ما أطقتم . والاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى . ولا تنافي بين هذا وبين قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) " لأن كل واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي . فمن فعل ذلك فقد اتقى عقاب الله ، لأن من لم يفعل قبيحا ، ولا أخل بواجب ، فلا عقاب عليه ، إلا أن في أحد الكلامين تبيينا أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق ، وكل أمر أمر الله به ، فلا بد أن يكون مشروطا بالاستطاعة . وقال قتادة قوله : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) " ناسخ لقوله ( اتقوا الله حق تقاته ) وكأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية ، وما جرى مجراها مما يعظم فيه المشقة ، وإن كانت القدرة حاصلة معه . وقال غيره : ليس هذا بناسخ ، وإنما هو مبين لإمكان العمل بهما جميعا ، وهو الصحيح ( واسمعوا ) من الرسول ما يتلو عليكم ، وما يعظكم به ، ويأمركم ، وينهاكم . ( وأطيعوا ) الله والرسول ( وأنفقوا ) من أموالكم في حق الله ( خيرا لأنفسكم ) مثله فآمنوا خيرا لكم ، وانتهوا خيرا لكم ، وقد مضى ذكر ذلك . وقال الزجاج : معناه قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم ( ومن يوق شح نفسه ) حتى يعطي حق الله من ماله ( فأولئك هم المفلحون ) أي المنجحون الفائزون بثواب الله . وقال الصادق عليه السلام : من أدى الزكاة فقد وقي شح نفسه ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا ) " قد مضى معناه .